إداة الانتباه

إدارة الإنتباه

 

نحن نعيش في عالم مزعج ، مشتت، تتقاتل فيه مئات الأشياء على انتباهنا و اهتمامنا. التلفاز .. الإيميلات.. فيس بوك .. تويتر.. سناب شات.. مدونات، مواقع إخبارية، تحليلات، فيديوهات،  عشرات النوافذ المفتوحة في أجهزتنا.. مئات الإعلانات في كل مكان. نحن مرتبطين بكل الأحداث ، بكل ما يجري في هذا العالم الواسع من آلام وأفراح أكثر مما ينبغي. نحن نتابع مئات الأشخاص ، أعمالهم ، أحداث يومهم بدون أن نعرفهم أو يجمعنا حتى حوار شخصي واحد. لكل هذا نتائج خطيرة لا يمكن إغفالها ، فعقولنا تتشكل بالأنشطة والأفكار التي تحتلها، وحين تكون عقولنا تمارس طول الوقت هذا النوع من الأنشطة القصيرة السطحية المعتمدة على محفزات خارجية و مكافآة سريعة والتي لا تتطلب جهد ذهني حقيقي، فإنها تفقد قدرتها مع الوقت على القيام بأي نشاط عميق يتطلب وقتاً طويلا و تركيزاً و جهدا ذهنياً حقيقياً، و هذا يعني عجزنا عن تقديم أي عمل ذا قيمة حقيقية للعالم. 

 

يسمي Cal Newport في كتابه “Deep Work” هذين النوعيين من العمل بالعمل العميق ، والعمل السطحي ، ويمكن التفريق بينهما كالآتي: 

 

العمل السطحي  العمل العميق
لا تتطلب أي جهد ذهني حقيقي ” مثل ريتويت” تتطلب جهد ذهني حقيقي ” مثل كتابة بحث “
لا يشعر معها الإنسان بالملل لأنه يتنقل بين عشرات من الفيديوهات ، و النوافذ ، والشبكات الإجتماعية. تتطلب نوعاً من الملل، و كل مشروع ينتج قيمة حقيقية سيكون الملل جزء منه لا محالة.
قائمة على المكافأة السريعة و الفورية، مما يخلق نوعا من الإدمان. تتطلب من الشخص تأخير الحصول على المكافأة حيث تتطلب جهداً و وقتاً طويلاً قبل الحصول على مكافأة ما.
شعور دائم الإنشغال بدون أي إنتاج ذا قيمة يتطلب العمل العميق تركيزاً ، و بالتالي لا يمكنك العمل إلا مهمة واحدة 

 

كلمة السر لإدارة الإنتباه و الإنتقال من العمل السطحي إلى العمل العميق هي ” التركيز “. 

 

١- قاعدة ٨٠/٢٠: تقول هذه القاعدة أن ٢٠٪ من أي شيء يحقق ٨٠٪ من نتائجه. مثلا: ٢٠٪ من مشاريعك تحدد ٨٠٪ من نجاحك، ٢٠٪ من جهدك تحدد ٨٠٪ من جودة عملك ، ٢٠٪ من زبائنك يحددون ٨٠٪ من دخلك، ٢٠٪ من المنتجات  تحدد ٨٠٪ من مبيعاتك.

بناءاً على هذه القاعدة فإن ٢٠٪ من المشاريع والأهداف التي تعمل على تحقيقها وإنجازها مسؤولة عن ٨٠٪ من نتيجة عملك و نجاحك. ال ٨٠٪ الأخرى لا تضيف لك إلا التشتت والإنشغال وتستنزف وقتك و جهدك بدون إضافة قيمة حقيقية . و حيث أننا نعرف جميعاً أنه لايمكن لأي أحد القيام بكل شيء ، عليك دائماً معرفة ماهي ال ٢٠٪ من المشاريع والأهداف التي يجب عليك العمل عليها. و حين تركز على ٢٠٪  المهمة وتلغي ال ٨٠٪ الأخرى فإن بإمكانك التركيز أكثر و بالتالي القيام بعمل عميق و ذا قيمة.

 

٢- قاعدة ” Time block” : العمل العميق الذي ينتج قيمة حقيقية يتطلب تركيزاً متواصلاً لفترة من الوقت بدون أي مشتتات. هذه القاعدة تشجعك على تخصيص كتلة زمنية ثابتة تخصصها بشكل تام وكلي للإستغراق في العمل. بإمكانك مثلا تخصيص ساعتين أو ثلاث ساعات للعمل بدون أن تتفقد إيميلك أو موبايلك أو تتصفح الإنترنت أو تدخل في نقاشات جانبية مع أحد. هذه الفكرة هي حل لمواجهة ما يسمى ب ” Attention Residues ” . في كل مرة تقطع عملك و تركيزك للقيام بشيء ما أو التحدث مع أحد، فإن عقلك سيتطلب وقتاً و جهداً إضافياً للعودة للتركيز للعمل من جديد. حيث لايمكنك العودة للعمل بشكل فوري بكامل تركيزك. جزء من عقلك و طاقتك الذهنية ستبقى منشغلة بما فعلته حين قطعت عملك. تخصيص كتلة زمنية للعمل بدون انقطاع يسمح لكل طاقتك الذهنية و انتباهك بالتركيز على العمل الذي تقوم به ، وبالتالي يضمن نتيجة أفضل.

 

٣- اختر نمطك: في كتابه السابق يعدد Cal Newport أربعة أنماط من العمل يمكننا من خلالها توظيف فكرة العمل العميق والكتل الزمنية ، و بإمكان كل أحد منا إختيار النمط المناسب له.

أولاً: النمط الرهباني: في هذا النمط يكون الشخص منفصل بشكل تام عن كل المشتات بشكل دائم من أجل القيام بالعمل العميق. هذا النمط هو أكثر الأنماط صعوبة، و قليل هم من يقومون بذلك.

ثانياً: النمط الثنائي: و فيه تعيش النمط الرهباني و النمط الإجتماعي ، بمعنى أنك لا تنفصل بشكل دائم، و إنما تنفصل لفترات محددة تمارس فيها العمل العميق. مثلاً : أن تنفصل يوم في الأسبوع للكتابة حيث الكتلة الزمنية هنا تكون يوم كامل، أو تنفصل لفصل في السنة من أجل تعلم مهارة جديدة أو العمل على مشروع حيث تكون الكتلة الزمنية هنا مجموعة من الأشهر.

 

ثالثاً: النمط الإيقاعي: وهذا النمط تخيل فيه صوت قطرات الماء، إيقاع ثابت و دائم و متواصل. هذا يعني أنك تقوم بالعمل العميق كل يوم حيث تكون الكتلة الزمنية هنا مجموعة من الساعات.

 

رابعاً: النمط الصحفي، و في هذا النمط أنت تعمل بشكل عميق من خلال كتل زمنية حين يكون هناك عمل يجب إتمامه وتسليمه سواءاً كان كتاباً .. خطة عمل .. نموذج تصميم و غيرها. 

 

٣- الراحة: العمل العميق الذي يتم أثناء الكتل الزمنية يتطلب طاقة ذهنية وجهد كبير، لذلك يجب عليك أن تريح عقلك بعد الإنتهاء من العمل. إبقاء عقلك منشغلاً و مركزا في أغلب فترات اليوم ينهكه ويتستنزفه. لذلك يجب عليك أن تسمح لعقلك بالارتياح من خلال التوقف عن التفكير في العمل و الرد على الإيميلات و غيرها. 

 

٤- أقفل الصنبور: في كل مرة تقرأ تويت أو تحديث على الفيس بوك أو إعلان أو خبر فإن جزءاً من طاقتك الذهنية و انتباهك قد تم استهلاكه. المشكلة هنا أن طاقتنا الذهنية و انتباهنا هما شيئان محدودان، بمعنى قابليتهم للنفاذ. 

تخيل مثلاً أنك تملك ١٠٠ وحدة ذهنية في اليوم. إذا قمت بإستهلاك هذه الوحدات لمشاهدة التلفاز أو قراءة التحديثات في المواقع الإجتماعية، فإنك تحكم على أي محاولة للقيام بعمل عميق بالفشل. الحل إذن هو إقفال هذا الصنبور المتدفق بعدد لانهائي من المعلومات و الأخبار و الصور بشكل نهائي أو مؤقت. و فيما يلي مجموعة من الإقتراحات:

١- قلل عدد التطبيقات على موبايلك للحد الأدنى.

٢- حدد وقتاً لقراءة التحديثات و تصفح المواقع الإجتماعية ، ولا تبقيها مفتوحة طوال اليوم.

٣- تصفح المواقع الإجتماعية نهاية اليوم، لتتمكن من تخصيص أغلب طاقتك الذهنية في الصباح للقيام بعمل عميق.

٤- حدد يوم في الأسبوع للانقطاع عن المواقع الاجتماعية والإخبارية.

 

المراجع:

1- Deep Work by Cal Newport

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *