أفكار في الإبداع

فكر في الصندوق قبل أن تفكر خارجه: 

يعرف البعض الإبداع على أنه التفكير خارج الصندوق، بينما يعرفه بعضهم الآخر على أنه تقاطع مجموعة من الصناديق , أو خلق صندوق جديد.  أيا ما كان التعريف الذي تتبناه فإن عليك أولا أن تفكر داخل الصندوق. 

ماذا يعني هذا ؟

يعني أن عليك أن تتقن المجال الذي تعمل به قبل أن تبدأ بالإبداع فيه. Cal Newport يقول مثلا أنه لايمكن لأحد أن يحقق كشفا علميا ما قبل أن يدرس العلوم الأساسية. يجب عليك أن تتعلم الحروف لتكون الكلمات . كما قدم  Steven Johnson في كتابه ” where ideas come from” مفهوم ” adjacent possible” ، و يعني أن الإبداع يحدث في حدود الفرص الممكنة في زمن معين ، بمعنى أنه من المستحيل التفكير في ebay مثلا في عام ١٩٥٠. لأنه كان يجب الإنتظار حتى يقوم أحدهم بصناعة الكمبيوتر ثم يقوم أحدهم بإختراع وسيلة لتشبيك الكمبيوترات مع بعضها البعض ثم أن يقوم أحدهم بإختراع متصفح يمكن الناس من تصفح الإنترنت. كان يجب انتظار كل هذا ليحدث ليقوم أحدهم أخيراً بالتفكير في موقع يبيع المنتجات أون لاين.

كل زمن يولّد مجموعة من الفرص الجديدة ، هذه الفرص ممكنة لتوَفر التكنولوجيا و أساليب العمل التي تعزز من فرص نجاحها. من يتمكن من استغلال هذه الفرص هم الأشخاص الذين لديهم فهم جيد عن التقنيات والمعارف في زمنهم ، و من ثم توليفها و دمجها و تقديمها في صورة منتجات أو خدمات جديدة. 

يستخدم Steven Johnson هذا المفهوم لتفسير اختراع مجموعة مختلفة من الأشخاص للشيء نفسه في الوقت نفسه تقريبا. بناء على هذا المفهوم فالسبب يكمن في أن كل هؤلاء الأشخاص متمكنون من المجالات التي يعملون بها ، و كانوا يعرفون في أي إتجاه تكمن الفرصة الممكنة المقبلة. 

الشاهد : عليك أن تتمكن من مجالك لتعرف أين تكمن الفرصة الممكنة المقبلة.  

فكرة أخرى تقدمها Twyla Tharp في كتابها “The creative habit” عن ضرورة التفكير داخل الصندوق قبل التفكير خارجه. تقول بينما يتطلع كل أحد فينا لإيجاد صوته الخاص، فإن علينا البدء أولا بنسخ وتقليد العظماء. هذه خطوة ضرورية للتعلم و لتطوير أسلوبك الخاص. Bob Dylan على سبيل المثال، كانت كل أغانية في البداية عبارة عن  نسخ لأغاني أخرى بشكل أو بآخر قبل أن يجد صوته الخاص. Bruce Lee كما تذكر في كتابها قام بإتقان عدد من الفنون القتالية التقليدية قبل أن يخترع أسلوبه الخاص. 

تقول Kh Kim أن كثير من الناس مؤمنين أن التفكير الإبداعي ما هو إلا توليد مجموعة جديدة من الأفكار، ما يطلقون عليه التفكير خارج الصندوق. ولكن هذا غير صحيح حيث أن العملية الإبداعية تتطلب ماهو أكثر من مهارات التفكير خارج الصندوق. في الحقيقة هو يتطلب مهارات التفكير داخل الصندوق ، وخارج الصندوق، ومهارات خلق صندوق جديد.

تقول يستخدم المبدعون في البداية مهارات التفكير داخل الصندوق، و هي مهاراتهم التي قاموا بمراكمتها في تخصصهاتهم عبر الزمن حيث أنها تشمل التفكير النقدي والتحليلي. ما يميز هذا النوع من المهارات أنها مركزة في مجال معين. 

مهارات التفكير خارج الصندوق تشمل القدرة على توليد أفكار جديدة و مرنة. ما يميز هذا النوع هو إنفتاحها على مدى واسع من الفرص والإمكانيات. هذه الأفكار سيتم لاحقا تقييمها وتوليفها. النجاح في استخدام مهارات التفكير خارج الصندوق معتمد على المعرفة العميقة والمركزة التي تم توليدها في المرحلة السابقة، وذلك لأن فهمك لمجالك سيمكنك من تقييم هذه الأفكار الجديدة و إمكانية تطبيقها.

مهارات خلق صندوق جديد تتمثل في القدرة على التوليف والتهذيب والتطبيق للأفكار. بعد تقييم الأفكار التي تم توليدها. سنقوم بتوليف هذه الأفكار عن طريق خلق علاقات جديدة بينها و وضعها في سياقات جديدة. 

تقول أن المبدعون يستخدمون مهارات الصناديق الثلاث. و تقدم توماس أديسون كمثال. حيث تعلم عبر القراءة المكثفة والتجارب والتطبيق، و راكم الكثير من المعرفة في مجاله عبر استخدام مهارات التفكير داخل الصندوق. . ثم بدأ  التفكير في الكثير من المواد والطرق للبحث عن المصابيح التي تشتعل لأطول فترة ممكنة عن طريق استخدام مهارات التفكير خارج الصندوق. ثم قام بإختبار هذه الأفكار الجديدة عن طريق استخدام مهارات التفكير داخل الصندوق المتمثلة بالتفكير النقدي والتحليلي. و أخيرا، قام بخلق علاقات جديدة والتوليف بين علم المواد والكيمياء للوصول لأفضل مصباح ممكن، وتطوير المنتج بالشكل النهائي عبر استخدام مهارات خلق صندوق جديد.

 

الإبداع ليس لحظة إلهام و إنما عملية طويلة من الإجتهاد. 

” وجدتها” كلمة كانت تلخص فهم الإنسانية للعملية الإبداعية لوقت طويل. لحظة إلهام يحظى بها البعض و يحرم منها البعض الآخر. ولكن لحسن الحظ  تم تصحيح كثير من تصوراتنا عن الإبداع والعملية الإبداعية. 

الإبداع رحلة  طويلة تمر بأربعة مراحل هي : الإعداد و الإختمار و الإشراق و التنفيذ. 

 

الإبداع لا يحدث في العزلة. 

و إن كان شيء من العزلة ضروري في العملية الإبداعية،  فإن  الإبداع لا يحدث أبدا في العزلة التامة. الإبداع يتطلب تصادم وتفاعل و تدوير للأفكار. هذا ما يفسر ازدهار الإبداع في المدن مقارنة بالقرى حسب تفسير Steven Johnson. الكثافة السكانية والاحتياجات والطموحات في المدن تعزز من تصادم الأفكار وتفاعلها مما يساهم بتطويرها. كذلك فإن هذا التفاعل بين الأفكار يساعد المهتمين بمجال ما على تحسين فهمهم و تطوير تصوراتهم عن المجال الذين يعملون فيه مما يمكنهم من معرفة اتجاه الفرص القادمة الممكنة.

 

ينتقد David Burkus في كتابه ” The myths of creativity” تصورنا الحالم عن المبدع المنعزل، ويؤكد أن أهم الإبداعات تم إنتاجها من خلال التوليف المناسب لفرق العمل. يعطي مثالا ل توماس أديسون الذي كان يعمل مع فريق من ١٥ مخترع على مشاريعه. كما أن مايكل أنجلو رسم لوحة sistine chapel بمساعدة ١٣ رسام. 

هذا ما يفسر إصرار الكثيرين على أهمية مشاركة الآخرين أفكارنا و إنتاجاتنا لأن آراءهم وتعليقاتهم هي الوسيلة التي تمكننا من تطوير عملنا. هم ينظرون إلى الإبداع على أنه عملية جماعية وتفاعلية، ستقوم فيها بتطوير أفكارك ومنتاجاتك بشكل تدريجي و تفاعلي. لذلك هناك تشجيع لفكرة تقسيم مشاريعنا إلى وحدات صغيرة. و بعد أن تم العمل على كل وحدة نقوم بمشاركتها مع الآخرين والإستعانة بنقدهم وتعليقاتهم بتطوير عملك. هذه الطريقة في الإنتاج أسرع و فرص الإبداع فيها أكبر. 

 

 القيود تعزز الإبداع

نظن أحياناُ أننا سنكون أكثر إبداعاً لو كنا نعمل بلا أي قيد، قيود الوقت و الميزانية و الإشتراطات المحددة للحلول المطلوبة. يبدو أن العكس هو الصحيح حيث أن العكس هو الصحيح حيث تحدد لنا القيود نقطة يمكن أن نبدأ منها أو مشكلة لحلها أو حيلة مبتكرة نسعى لإكتشافها أو حتى شخص لإرضاءه. القيود تبلور المشكلة و تجعلها أكثر وضوحا مما يجعل التفكير فيها ومحاولة حلها ممكنة. الإختيارات و الحلول لا تحصى. هذا يصيبنا بالعجز و يعيقنا عن العمل . وضع بعض القيود يزيل بعض الخيارات المتاحة مما يقلل من حيرتنا و من ثم يساعدنا في إنجاز مشاريعنا.

يذهب Art Markman إلى أبعد من ذلك حين يقول ” يبدو أنه كل ما قلت القيود في العملية الإبداعية، كلما زادت حريتك في استخدام ذاكرتك لإيجاد الحل. الحقيقة أن إلغاء القيود أو تقليلها يجعلك أقل إبداعاً. على العكس من ذلك، أنت تريد فرض مزيد من القيود على طبيعة الحل المنشود لمشكلة ما. هذه القيود ستجعل كل الحلول المسبقة و المخزنة في ذاكرتك مستحيلة التطبيق ، و بالتالي تدفعك لتوليد حلول جديدة و مبتكرة”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *